عبد الحليم أبو ربيعمحامٍ ومستشار قانوني

توعية قانونية

دفاع عن النفس أم عدوان؟ الحرب الاستباقية والوقائية في ميزان القانون الدولي

ما الفرق بين الحرب الاستباقية والحرب الوقائية، ومتى يمكن اعتبار استخدام القوة دفاعاً مشروعاً عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة؟

المحامي عبد الحليم أبو ربيع

الحرب واستخدام القوة في القانون الدولي

لم يستخدم ميثاق الأمم المتحدة لفظ «الحرب» بوصفه الأساس المنظم لاستخدام القوة، بل تناول النزاعات الدولية وحظر التهديد بالقوة أو استخدامها. ومع ذلك، ورد مصطلح الحرب في عدد من معاهدات القانون الدولي الإنساني. وتُفهم الحرب عموماً بوصفها صراعاً مسلحاً بين دول تسعى من خلاله إلى تحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو عسكرية.

يُعد اللجوء إلى الحرب من أقدم الوسائل التي استخدمتها الدول لحسم نزاعاتها، وكان إعلانها يتم تاريخياً ببيان رسمي يصدر عن أحد الأطراف أو كليهما عند انعقاد الإرادة السياسية على القتال. غير أن ميثاق الأمم المتحدة أقام نظاماً مختلفاً، فحظر في المادة 2/4 التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، مع استثناءات محدودة أبرزها الدفاع عن النفس وفق المادة 51، أو استخدام القوة بتفويض من مجلس الأمن في إطار نظام الأمن الجماعي.

الفرق بين الحرب الاستباقية والحرب الوقائية

يتجدد الجدل في القانون الدولي حول مشروعية الحروب الاستباقية والوقائية، وما إذا كانت تمثل دفاعاً مشروعاً عن النفس أم شكلاً من أشكال العدوان المقنّع.

يُقصد بالحرب الوقائية توجيه ضربة عسكرية لدرء تهديد محتمل قد يتبلور في المستقبل، حتى لو لم يكن الهجوم وشيكاً. أما الحرب الاستباقية فتقوم على استخدام القوة ضد عدو يُعتقد أنه يستعد لشن هجوم وشيك لا يمكن دفعه بوسائل أخرى. وهذا الاختلاف في درجة قرب الخطر ووشاكته أساسي عند تقييم المشروعية القانونية.

معيار الضرورة والوشوك والتناسب

ارتبطت فكرة الدفاع الاستباقي تاريخياً بحادثة السفينة «كارولين» في القرن التاسع عشر، التي أسهمت في صياغة معيار صارم للضرورة: أن تكون الحاجة إلى الدفاع عن النفس فورية وملحّة، ولا تترك خياراً للوسائل البديلة أو وقتاً للتروي. كما يجب أن يظل الرد متناسباً مع الخطر المراد دفعه.

ومع ذلك، يبقى توسيع تفسير الدفاع عن النفس ليشمل تهديدات غير وشيكة محل خلاف واسع بين فقهاء القانون الدولي والدول. فكلما ابتعد الخطر عن الوشوك، اقترب استخدام القوة من مفهوم الحرب الوقائية التي يصعب التوفيق بينها وبين القيود التي يفرضها ميثاق الأمم المتحدة.

الممارسة الدولية لا تكفي وحدها

أكدت محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا أن مجرد ممارسة بعض الدول لسلوك معين لا يكفي وحده لإنشاء قاعدة عرفية ملزمة؛ إذ يلزم، إلى جانب الممارسة العامة، أن تقترن هذه الممارسة باعتقاد الدول بأنها ملزمة قانوناً.

ورغم لجوء بعض الدول إلى وصف عمليات عسكرية بأنها دفاع استباقي، فإن تكرار هذا الوصف لا يحسم مشروعية تلك العمليات ولا ينشئ تلقائياً استثناءً جديداً من حظر استخدام القوة.

خطر تحويل الاستثناء إلى قاعدة

إن التوسع في مفهوم الدفاع الاستباقي يثير مخاوف جدية من تقويض مبدأ حظر استخدام القوة. فإذا أصبح مجرد الادعاء بوجود تهديد مستقبلي كافياً لشن هجوم، فقد تتمكن الدول من استخدام القوة بناءً على تقديرات أحادية يصعب التحقق منها.

وقد يؤدي إضفاء الشرعية الواسعة على الضربات الاستباقية والوقائية إلى تطبيع الحرب كأداة سياسية، وإضعاف نظام الأمن الجماعي، وتهديد استقرار النظام الدولي.

يظل الدفاع الشرعي عن النفس استثناءً على أصل عام هو حظر استخدام القوة. لذلك يجب تفسيره تفسيراً ضيقاً يرتبط بضرورة حقيقية وخطر وشيك وتناسب واضح، حتى لا يتحول ادعاء الوقاية من الخطر إلى غطاء قانوني للعدوان.

هذا المقال للتوعية القانونية العامة ولا يُعد بديلاً عن استشارة قانونية تراعي ظروف كل حالة.